Media Education

الفصل الثاني : الانترنت والإباحية

أرسل إلى صديق طباعة PDF

الانترنت والإباحية


أولاً : الجنس والمدفأة

1. ما أجمل المدفأة المشتعلة بالجمر الملتهب في ليلة باردة حالكة السواد، حيث يمكنك إضافة الحطب إليها لتزداد اشتعالاً، ليبدو الجوّ أكثر دفئاً وراحة ورومانسية.
2. ولكن إذا أخذنا الحطب والجمر الموجود في هذه المدفأة وألقينا به داخل الخيمة أو بيت الشعر أو غرفة الجلوس، فإن كارثة سوف تحدث، وستحرق النيران المنزل، ويمكن أن تقتل كل من هم بداخله.
3. الجنس هو تماماً مثل النار، إذا كان الجنس داخل الحياة الزوجية فقط فسوف يكون جميلاً ودافئاً ورومانسياً، مثل النار داخل المدفأة، أما إذا كان الجنس خارج علاقة الزواج فسيكون مدمراً ومؤذياً.


ثانياً: الانترنت والإباحية

1.    لقد أفاضت الانترنت على العالم بفوائدها وإيجابياتها ومكتسباتها، واستطاعت تغيير وجه العالم والتأثير في كل المجالات، بمنتجاتها وأدواتها ووسائلها، وقوتها الرهيبة في المزج الهائل بين المحتوى والتواصل البشري.
2.     وفي الوقت نفسه أصبح وجود الانترنت عاملاً مؤثراً وداعماً ومسانداً ومنتجاً لكل أنواع الانحرافات الإجرامية والسلوكية والأخلاقية والفكرية، على مستوى الجريمة المنظمة، والمخدرات، والإرهاب، والأفكار المدمرة.
3.    في مقدمة هذه الانحرافات تأتي الإباحية، التي شهدت انتشاراً عالمياً هائلاً كان لوجود الانترنت دور بارز في تحقيقه.
4.    لقد أصبحت المواد الإباحية كالنار تحت الرماد، ولديها القدرة على الوصول لكل فرد منا، بعيدة عن أي رقابة منع، أو حتى تقييد أو تحديد، وأصبح جمهورها يمتد من الأطفال حتى المسنين، رجالاً ونساءاً، وانتشرت في مجتمعات العالم أجمع، مثل المرض الصامت الخطير.


ثالثاً: مؤشرات انتشار الإباحية

1. الصفحات الإباحية تمثل بلا منافس أكثر فئات صفحات الإنترنت بحثاً وطلباً وتصفحاً على مستوى العالم.
2. صناعة المواد الإباحية أصبحت من الصناعات الكبرى التي تستثمر فيها مليارات الدولارات.
3. تشهد صناعة المواد الإباحية نمواً لحظياً متسارعاً، وبذلك انتشرت ملايين الصفحات الإباحية، واقترنت الممارسة البهيمية للجنس مع الاغتصاب والعنف، بل وأشنع جرائم الاعتداء، وأكثرها بشاعة وانحطاطاً.


رابعاً: تأثير المواد الإباحية على الفرد والمجتمع

1. الإصابة بالأضرار والاضطرابات النفسية، وفقدان احترام الإنسان لذاته، وإحساسه بالضياع والقلق والدمار النفسي.
2. إضاعة الوقت في السعي وراء هذه المواد، والتكاليف المادية للاشتراك في المواقع الإباحية، وطرق الوصول إليها.
3. تضرر العلاقات العائلية للمدمنين، إضافة إلى فقدان الاحترام، والعدوانية والعصبية في التعامل مع أفراد العائلة، وانهيار وتصدع قيم الحياة الزوجية وأسس استقرارها.
4. الانصراف والعزوف عن الزواج.
5. ظهور الممارسات غير الأخلاقية في المجتمع.
6. انتشار الأمراض الخطيرة المرتبطة بالممارسات الجنسية المنحرفة.
7. إغراق شباب وشابات المجتمع في مستنقعات منحطة وقذرة، وتعطيل جهود التنمية، والتقدم العلمي والحضاري.
8. تعتبر المواد الإباحية هي السبب الأول وراء زيادة وشيوع الجرائم الجنسية وجرائم الاغتصاب، وجرائم الشذوذ الجنسي، وجرائم الاعتداء على الأطفال.
9. تؤدي المواد الإباحية إلى الاستهانة بجرائم الزنا والاغتصاب والتقليل من شأنها.
10. تؤدي المواد الإباحية إلى تكوين صورة وهمية عن العلاقات الجنسية، حيث تصور للمدمن بأن الجنس هو شيء يمكنك الحصول عليه متى أردت، وفي أي مكان، مع أي شخص، دون أية عواقب، وإذا لم يتحقق ذلك تحصل العصبية والعدوانية، واللجوء إلى الاغتصاب، والاعتداء على النساء والأطفال، وإرغام الآخرين على الفاحشة.


خامساً: مراحل إدمان الإباحية

1. التعرّض: وهي مرحلة المشاهدة والتصفح بدافع الفضول، أو الوصول خطأ إلى الصفحة الإباحية، أو استقبال صور إباحية من مصدر مجهول عبر البريد الإلكتروني.
2. الاعتياد: وهي مرحلة تنشأ من التفكير فيما شاهده الفرد عرضاً في المرة الأولى، وفيها يحدث الصراع الداخلي هل يعود مرة أخرى أم لا، فإذا ضعفت الإرادة الإنسانية فإنه يعود مرة أخرى، وثالثة، ورابعة، حتى يبدأ صوت الضمير في الاضمحلال، ويعتاد هذه المواد تدريجياً.
3. الإدمان: وهي مرحلة المعاودة المستمرة للتصفح والمشاهدة، حتى تصبح جزءاً من الحياة اليومية، ويكون الشخص عالقاً ومتورطاً لا يستطيع الانسحاب.
4. التصاعد: وهي مرحلة البحث عن الجديد الغريب إباحياً، الذي يختلف عما شاهده المدمن سابقاً، وربما يكون الشيء الذي كان يثير اشمئزازه سابقاً هو الذي يجذبه في هذه المرحلة، لغرابته واختلافه عما هو معتاد.
5. التحجر: وهي المرحلة التي يصبح فيها المدمن فاقد الإحساس تجاه الصور والأفلام الإباحية، فما عاد يثيره شيء منها، فيصبح يائساً، يبحث عن تلك الإثارة مجدداً فلا يستطيع إيجادها.
6. التصرّف جنسياً: في هذه المرحلة يقفز المدمن قفزةً حرجةً للبحث عن الإثارة المفقودة، بممارسة ما قد رآه مع أناس حقيقيين، على أرض الواقع، وقد يكون ذلك بطرق مدمّرة ذات عواقب وخيمة، بل يصل أحياناً إلى مرحلة الإجرام.


سادساً: هل الجميع يمرون بهذه المراحل ليكونوا مجرمين ؟

الجواب : لا.
كما أننا لا نتوقع من كل شارب للخمر أن يقترف جريمة.
ولا نتوقع من كل متناول للمخدرات أن يصبح سارقاً.
ولا نتوقع من كل ممارس للفاحشة أن يصاب بالإيدز.
كذلك نحن لا نتوقع من كل مدمن على المواد الإباحية أن يكون مجرماً.
ولكن السؤال هو:
كم نسبة المدمنين على المواد الإباحية الذين من الممكن أن يتحولوا إلى مجرمين ؟
وهل هذه النسبة مقبولة ؟


سابعاً: حجب المواقع الإباحية هل يعد حلاً ؟

1. إن الحل الحقيقي يكمن في التزام الشخص بذاته، وامتناعه عن التعاطي مع المواد الإباحية بدافع ذاتي، نابع من قيمه وأخلاقه، وهذا الأمر متفق عليه، ولكن البعض يستخدم هذا المفهوم كذريعة للمطالبة برفع الحجب عن المواقع الإباحية، ويرفع شعار أن الحل هو الالتزام الذاتي فقط.
2. ولكي نناقش هذا الإدعاء فإننا نقول جدلاً: إذا كان الحل هو فقط حل ذاتي للشخص نفسه ولا نقبل حلولاً أخرى مساندة فليتم إذن السماح للمواد الإباحية، وجواز الوصول إليها في الانترنت، أو فتح متاجر في المجمعات التجارية لبيع المنتجات الإباحية، وأن تكون متاحة للجميع بسهولة، لأن ذلك هو الامتحان الحقيقي لأخلاقيات الشخص وقيمه وتربيته.
3. وبنفس المنطق يمكن أن نمتحن أخلاق الناس أيضاً بإباحة بيع المخدرات، ونمتحن أخلاق الناس بإباحة بيع الخمور، ونمتحن أخلاق الناس بإباحة الدعارة الرسمية المنظمة تحت إشراف صحّي، ونمتحن أخلاق الناس بافتتاح صالات القمار وألعاب الميسر واليانصيب، وهكذا إلى آخر أنواع الامتحانات.
4. وهكذا يعيش أفراد المجتمع من المراهقين والمراهقات، والشباب والفتيات، والرجال والنساء، في امتحانات متتابعة لأخلاقهم ومدى التزامهم، ومعرفة مدى صمودهم، مع توفير كل شيء متاحاً ومباحاً بين أيديهم، فلا يسلم الشخص من امتحان حتى يقع في امتحان آخر، ويتم تبديد طاقات المجتمع وقدراته وتنميته وتقدمه في هذه الامتحانات المتتابعة.
5. لا نعلم كم نسبة الذين سينجحون في هذه الامتحانات ؟ وكم نسبة الذين سيسقطون فيها ؟ وهل الناجح يوماً ما لن يسقط في الامتحان ذاته مرة أخرى ؟ أو الامتحان الذي يليه؟
وبصورة خاصة نريد أن نعرف كم النسبة المقبولة لعدد الساقطين في امتحانات الأخلاق المذكورة ؟ وإذا تم تجاوز هذه النسبة هل نوقف الامتحان ونلجأ إلى الحجب والمنع أم ماذا ؟
6. من أجل ذلك وأكثر فإن مصلحة الفرد والمجتمع تقتضي حجب المواد الإباحية في الانترنت، رغم قصور النظام وسهولة الاحتيال عليه أحياناً، إلا أنه أحد الحلول التي تقوم بها الدول لتقليل تعرض المواطنين والأسر والأطفال للمحتويات الإباحية.
7. على هذا الأساس تقوم العديد من دول العالم بترشيح شبكة الانترنت، وحجب بعض محتوياتها الإباحية، وفق معايير مختلفة من دولة إلى أخرى، حسب طبيعة نظامها القيمي والأخلاقي، بالإضافة إلى وجود عمليات ترشيح داخل المدارس والمكتبات العامة للدول التي لا تقوم بالترشيح على مستوى الدولة، فضلاً عن وجود برامج الترشيح العائلية النقية، التي تساعد الأسر والشركات على ترشيح شبكة الانترنت المستخدمة في أجهزتها الداخلية.


نماذج من صفحات الحجب المستخدمة في عدد من الدول



نموذج لصفحة حجب طريفة في دولة الإمارات العربية المتحدة

شخصية ( أم سعيد ) الكرتونية، إحدى الشخصيات الشهيرة بطيبتها وصفاء نيتها، وهي ذات شعبية واسعة في مسلسل ( فريج ) الإماراتي ثلاثي الأبعاد.


ثامناً: الرقابة الذاتية وتقوية الإرادة الإنسانية

رغم الحجب والترشيح، والتوعية بمخاطر الإباحية في الانترنت وغيرها، فإن التعرض للمواد الإباحية يبقى دائماً هو قرار الفرد بذاته واختياره الشخصي، حيث أصبح أي فرد يستطيع التحايل للوصول إليها، ومشاهدتها في سرية تامة، ودون أن يعلم عنه أحد، ويستطيع أن يشاهد هذه المواد في الكمبيوتر أو في الهاتف المتنقل أو حتى في ألعاب الفيديو..إلخ.
لذلك فإن قرار البعد عن التلوث العقلي والأخلاقي بهذه المواد هو قرار الشخص الذي يمتلك الإرادة الإنسانية، ويتميز بالرقابة الذاتية، ويؤمن بأن تحريم الشريعة الإسلامية للنظر إلى المحرمات والعورات هو لحكمة عظيمة، للحفاظ على مجتمعاتنا وعلى أفراد هذه المجتمعات.

* * *


نشاط مقترح وسؤال للنقاش

أولاً: ابحث واطلع على كتاب:

"الإباحية وتبعاتها.. ظاهرة تفشي المواد الإباحية في الإعلام والاتصالات والإنترنت" للدكتور مشعل بن عبد الله القدهي، وهو أهم وأفضل وأشمل مرجع عربي في هذا الموضوع.

ثانياً: من وجهة نظرك الشخصية، ما هي أهم العناصر والأفكار والرسائل الإعلامية التي يمكن أن تتضمنها حملة إعلامية للتوعية بمخاطر الانترنت ؟
ماذا تقترح في هذا الشأن ؟